أخر الأخبار

البطلان في مساطر صعوبات المقاولة


البطلان في مساطر صعوبات المقاولة

مقدمة :

رغبة من المشرع المغربي في إعطاء الاقتصاد الوطني دفعة قوية، ووعيا منه بدور الاستقرار والتطور الاقتصاديين في الحفاظ على الاستقرار السياسي أولا والاجتماعي ثانيا، ونظرا لكون المراهنة على الاستثمار الأجنبي لتحقيق المشاريع الضخمة يلزم توفير وسائل الجذب،[1] إذ اقتضت السياسة التحررية الجديدة في المجال الاقتصادي تبني اختيار الاصلاحات التشريعية لمواكبة التطورات الاقتصادية التي جاءت مع رياح العولمة الاقتصادية، حيث عمل على تجديد وإعادة تنظيم لرسالته القانونية لجعلها مواكبة لهذه التطورات.

وواضح أن المشرع المغربي لم يكن مخيرا في هذا التجديد لترسانته القانونية، بل إن ارتباطاته العالمية في إطار العولمة واقتصاد السوق وإلغاء الحواجز الجمركية …الخ كلها عوامل فرضت عليه مسايرة هذه التحولات العالمية.[2]

ومما لاشك فيه أن المقاولة غدت النموذج الأمثل لممارسة الأنشطة التجارية وأداة للإقلاع الاقتصادي، ذلك أنه إذا كانت الاسرة هي أساس ونواة المجتمع، فان المقاولة هي نواة الاقتصاد، وإذا كان المجال السياسي هو عنصر القوة في العلاقات الدولية من قبل، فإن معيار القوة بالنسبة لكل دولة أصبح يقوم على المستوى الاقتصادي، مما جعل كل الدول تعمل على تأهيل المجال الاقتصادي، ولا أحد يستطيع أن يجادل في وقتنا الراهن أن المقاولة هي المحرك الاساسي لدواليب الاقتصاد في جميع بلاد الدنيا، وأنها وحدها أصبحت مصدر الرخاء و الثراء للأفراد و الجماعات.

لقد تميزت المقاربة التشريعية المغربية بنظرة شمولية بخصوص دور المقاولة في الحياة العامة، إذ أضحت – المقاولة – في قلب المقاربة التنموية، حيث يعتبر نظام المعالجة آخر حلقة في هذه السلسلة تسبقها وتتناغم معها حلقات أخرى تقوم على إقرار مبدأ المرونة في تأسيس المقاولات، وكذا ضبط آليات الشفافية في تسييرها من خلال تبني قواعد الحكامة الجيدة، بما يمكن معه إسعافها وإنقاذها حين تعتريها صعوبات أو أزمات تعيق سيرها العادي أو تهدد وجودها.

واجهة البحث

والمتأمل لمسلسل الإصلاحات التشريعية في القوانين الاقتصادية والمالية الجديدة، سيدرك ان أكثرها أهمية هو قانون رقم 14- 81 المتعلق بمدونة التجارة، باعتبارها الإطار القانوني المنظم لعالم التجارة الأعمال، ولاسيما الكتاب الخامس منه والمتعلق بنظام معالجة صعوبات المقاولة، حيث يعكس لنا هذا القانون نقطة تحول في تاريخ المنظومة القانونية المغربية، حيث جاءت نصوصه متسمة بجرأة غير مألوفة، كرست القطيعة أحكام قانون الإفلاس الذي أبان عن فشله ليتبنى منظورا جديدا يهدف إلى معالجة الصعوبات التي تعترض المقاولة وفق مقتضيات جديدة تستجيب لهذا التوجه، كما أثر هذا القانون على مجموعة من القواعد القانونية المقدسة في تاريخ المجتمعات سلطان الارادة و القوة الملزمة للعقد و البطلان … كل ذلك في سبيل إنقاذ المقاولة .

ومع ظهور نظام معالجة صعوبات المقاولة الذي حل محل نظام الإفلاس، لوحظ احتكاك التجار المغاربة والمقاولات التجارية بنظام معالجة صعوبات المقاولة أكثر من نظام الافلاس سابقا، حتى أصبح هذا الاحتكاك موضة العصر من الناحية القانونية، بل أصبحت المقاولات المغربية تتباهي بالتصريح بواقعة التوقف عن الدفع.

ويضم الكتاب الخامس مجموعة من القواعد الموضوعية تقوم على مجموعة من الإجراءات والمساطر تبتدئ من مرحلة الوقاية الداخلية والخارجية ووصولا إلى المحطة الأخيرة التي هي التصفية القضائية، وتهدف هذه القواعد في أساسها إلى المقاولة والعمل على ضمان إبقائها في الحياة الاقتصادية وإعطائها فرصة جديدة للإنعاش.

بالإضافة إلى القواعد الموضوعية نجد القواعد الشكلية التي تبنى المشرع من خلالها تفعيل دور القضاء حيث دشن قانون معالجة صعوبات المقاولة المغربي تحولا كبيرا في دور القضاء وصلاحياته في ميدان المساطر الجماعية، صلاحيات ليس موضوعها البت فقط في نزاع تقليدي بين أطراف ذاتيين، وإنما البحث عن حلول تحمي حقوق الأطراف الخاصة في نفس الوقت الذي تحمي فيه المصلحة الاقتصادية العامة صلاحيات تتنامي كلما كان مصير المقاولة معرضا للخطر، تدعوا القاضي إلى تصور حلول اعتمادا على اعتبارات الملائمة بالدرجة الاولى، ذلك أن المساطر الجماعية التي كانت في السابق مشبعة بروح ليبرالية محضة أصبحت مساطر مسيرة من طرف السلطة القضائية، فالقاضي في هذه المساطر لا يبت فقط بطريق مباشر في حق من الحقوق الخاصة، ولا يفصل بالطرق التقليدية، وإنما يمارس قضاءا اقتصاديا يؤدي به إلى اتخاذ قرارات في التسيير وإعمال اختيارات في الاقتصاد، وفي هذه المهام الجديدة لا يحكم القاضي بالقانون فقط، وإنما بمقتضى سلطة الملائمة والتقدير في تبني الاختيار الأنسب لوضعية المقاولة ومصيرها.[3]

وقد جاء المشرع بمجموعة من الأليات في الكتاب الخامس الغاية منها إنقاذ المقاولة وتقوية ذمتها المالية، ومن أجل ضمان فعالية هذه المبادئ، كان من الواجب تعزيزها بجزاءات مدنية وجنائية تضفي عليها الطابع الإلزامي، ولم كان البطلان أهم الجزاءات المدنية التي يعتمدها المشرع في الحالات الخطيرة لا سيما عندما يتعلق الأمر بمخالفة مقتضيات النظام العام، فإنه كان من الطبيعي استحضار هذا الجزاء في صعوبات المقاولة.

وقبل الخوض في الموضوع لابد أولا من تحديد المقصود بالبطلان في مساطر صعوبات المقاولة كجزاء ثم إعطاء لمحة حول التطور التاريخي لهذه المؤسسة القانونية الجديدة التي تعتبر بحق ثورة قانونية عما هو سائد في القواعد العامة.


[1] – المهدي شبو “لماذا تبني المشرع المغربي نظام معالجة صعوبات المقاولة ؟، مجلة المحاكم المغربية العدد 2001،88ص 1

[2] – براهيم اقبلي “الأجال في نظام معالجة صعوبات المقاولة”، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة مولاي اسماعيل كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية مكناس، ماستر القانون والمقاولة، السنة الجامعية 2011-2012، ص1.

[3] – أحمد أخريف “الدور القضائي الجديد في القانون المغربي لمعالجة صعوبات المقاولة”، المروحة لنيل الدكتوراه الدولة في القانون الخاص، جامعة محمد الأول كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية وجدة، السنة الجامعية 2000-2001، ص1.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

"لا تقرأ وترحل شاركنا رأيك"

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من أنفاس قانونية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading