التركة الرقمية
التركة الرقمية
مقدمة:
علم المواريث علم قرآني جليل، فهو أشرف العلوم وأجلها، ومما يدل على شرفه وجلاله، أن اللّٰه سبحانه وتعالى قد تولى قسمة الميراث بنفسه، ولم يكلها إلى أحد سواه. قال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم: “إن اللّٰه تعالى لم يكل قسمة مواريثكم إلى نبي مرسل ولا إلى ملك مقرب، ولكن قسمها بنفسه”1. والنبي الكريم محمد صلى اللّٰه عليه وسلم رغب في نعلمه وتعليمه، فعن أبي هريرة رضي اللّٰه عنه قال: قال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم:” يا أبا هريرة، تعلموا الفرائض وعلموها فإنه نصف العلم، وهو ينسى، وهو أول شيء ينزع من أمتي”.
فعلم الفرائض أو علم المواريث أو علم التركات هذه كلها أسماء أطلقها الفقهاء، وأرادوا بها أنه: علم بقواعد وأصول فقهية وحسابية، إذ بها يعرف كل وارث نصيبه في التركة3. فعلم الفرائض أو علم المواريث هو علم يبين الحقوق المتعلقة بالتركة وترتيبها، وأسباب الميراث وشروطه وموانعه وأنواع الورثة، وبيان نصيب كل وارث، إضافة إلى بيان من يحجب حجبا كليا أو جزئيا، ومسائل الحساب من عول ورد ومخارجة ومصالحة وتصحيح للمسائل وغيرها من أحكام الميراث.
فالشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية والتشريعات المقارنة كفلت للإنسان الحق في “الميراث”، ومن هذا المنطلق أجد مدخلاً لموضوعي الحالي الذي أصبح فيه العالم الرقمي تشعب بين أروقة حياتنا اليومية ليعطيها صبغة حياتية اجتماعية بنكهة رقمية.
وبناء عليه فأسس الميراث وقواعده التي أتت بها الشريعة الإسلامية ما زالت تطبق لى يومنا هذا دون الحاجة إلى أي تعديل، حيث إن أحكام الميراث في الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان. والميراث بقي منصبا منذ العديد من العصور على الأموال والمنقولات والعقارات، وبعد التطور المستمر في الحياة أصبح بالإمكان توريث الملكية الفكرية.
غير أن هذا التطور المستمر الذي شهده العالم خلال العقد الأخير من القرن الماضي، وبداية الألفية الثالثة بشكل غير مسبوق في تاريخ البشرية، أنتج ثورة جديدة اصطلح عليها بالثورة المعلوماتية، بحيث أحدث التطور التكنولوجي ثورة رقمية أتاحت عدد هائل ومتشعب من تقنيات الاتصال الحديثة ذات القدرات الرقمية الهائلة، والتي أتاحت بدورها التواصل المباشر والاني بكل سهولة ويسر سواء بين الأفراد أو بينهم وبين الإعلانات المعروضة على المنصات الرقمية، ومع التوسع الكبير لاستخدام الحواسيب باعتبارها آلية للتقدم العلمي والتكنلوجي كوسيلة لجمع وتخزين ومعالجة المعطيات لأغراض متعددة فقد أصبح العالم اليوم عالما رقميا أساسه المعلومة التي أضحت استراتيجية للأعمال والإنتاج والقرار من منظور الدول الحديثة.
فالوسائل الرقمية والاجتماعية غزت بشكل واسع الحياة اليومية للإنسان، فأصبح لا غنى عنها أو لا قدرة للفرد على تجاوزها أو تجاهلها، من ذلك المعلومات الشخصية والبيانات والمراسلات والصور وأرقام الحسابات المالية، كلها أصبحت حبيسة هذا العالم الذي نغوص فيه يوما بعد يوم، دون أن يعرف حدا لهذا التمازج بين الحياة الخاصة وهذا الكيان الذي ابتلع كل شيء تقريبا، وأصبح الغوص فيه عنوانا للنجاح والتطور والرقي، وأصبح لا غنى عنه، حتى الأموال أصبحت عملات رقمية؛ بل وحتى السلع والمصانع والمؤسسات تدار عن طريق الانترنيت، وغدا الانسان أكثر ثقة في هذا العالم الافتراضي الذي فرض نفسه.
وهناك الكثير من الحسابات الشخصية والبريد الالكتروني والحسابات، والصفحات، والمواقع التجارية التي تهدف الى التسويق والاعلان وشراء المواد عبر الانترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي المشهورة مثل الفيسبوك، والتويتر، والإنستغرام والسناب شات، فهنالك سبة ضئيلة ممن لا يملك حسابا فيها، فقد حتمت الحياة الرقمية على الإنسان المشاركة في أغلب هذه الحسابات؛ حتى يكون متفاعلا مع العالم الخارجي، ومع بقية أفراد المجتمع، كما نها تعكس ممارسة المستخدمين لحساباتهم الرقمية الشخصية في فترة حياتهم.
فالتكنولوجيا الرقمية أصبحت وسيلة لإنتاج الأفكار والتعبير عنها وطرحها وتطويرها ومشاركتها، فقد أصبح الإنسان في عصر تعبر فيه الوثائق الرقمية عن كافة مجالات الحياة بما جعلها تركة وميراث للأجيال القادمة ممّا يتوجب حفظه وحمايته ودعم استقراره، والأمر لا يقتصر فقط على كل إنتاج رقمي جديد أو معبر عن زمانه وفترته التاريخية، بل يمتد إلى إعادة حفظ الوثائق والميراث رقميا نظرا لإمكانية تعرض هذه الثروة الرقمية لعدة مخاطر كضياعها أو فقدها.
ومما لا شك فيه، أن الإنسان مُقدر له أن يغادر هذه الحياة إلى دار البقاء، فيترك وراءه تركة عينية ومنقولات وعقارات، فهذا النوع من التركات منظمة شرعا وقانونا، فمدونة الأسرة المغربية نظمت كل ما يتعلق بالميراث التقليدي في الباب السادس منها، انطلاقا من لمادة 321 التي تعرف التركة بأنها: ” مجموع ما يتركه الميت من مال أو حقوق مالية”، إلى غاية المادة 395 منها، غير أنه طفى على سطح الميراث نوع جديد من التركات، وهي التركة الرقمية؛ وهي بطبيعة الحال الحسابات الإلكترونية والملفات والوثائق والأبحاث والصور والفيديوهات المخزنة، والمخزونات المالية الرقمية ذات القيمة الهامة في الصناديق الإلكترونية والحسابات الخاصة والمعلومات والبيانات…وغيرها، فالتركة الرقمية أصبحت ليوم واقعا في الحياة حيث إن معظم الناس الان يمتلكون أصولا وحسابات رقمية، ستصبح تركة حالة وفاتهم.
وترجع بوادر ظهور فكرة الإرث الرقمي إلى القضاء الأمريكي قبل أكثر من عقد من لزمن تقريبا، وبالخصوص في الحكم الصادر عن محكمة الوصايا والمواريث في ولاية ميشيغان الامريكية سنة 2005، والتي قررت فيه هذه المحكمة على حق الورثة في الحصول على المحتوى الرقمي لمورثهم، وكانت تفاصيل القضية أن الأسرة طالبت شركة ياهو بتسليمهم كلمة مرور بريد ابنهم، وهو جندي اسمه (كروبرال اليسوث)
الذي قتل في معارك الفلوجة في العر اق في عام 2004، ولكن الشركة امتنعت في بداية الأمر عن تزويد أسرة المتوفى بكلمة المرور أو السماح لهم بالوصول إلى محتوى البريد من صور ومقاطع فيديو ورسائل متعلقة بمورثهم، إلا أن المحكمة رفضت سلوك الشركة، وأصدرت قرارا يعد سابقة قضائية، يقضي بتسليم محتوى البريد الشخصي للمتوفى لأسرته على شكل أقراص ممغنطة، وتطور الأمر بعد ذلك إلى أن أصدرت الولايات قوانين خاصة بهذا الصدد تنظم كل تفاصيل عملية انتقال التركة الرقمية، حتى وصل الأمر إلى انشاء شركات معنية بتصفية التركة الرقمية للمتوفى أو ترتيب عملية نقلها إلى الورثة أو الموصى لهم.
أهمية الموضوع:
كتسي موضوع التركة الرقمية أهمية بالغة سواء من الناحية النظرية أو من الناحية العملية. ذلك أن الأهمية النظرية تبرز في معرفة الجانب القانوني الذي ينظم الإرث الرقمي سواء على المستوى الوطني أو على المستوى الدولي، كذلك إبراز دور الفقه في التنظير لهذا لموضوع، على اعتبار أن الإرث الرقمي ظاهرة قانونية تفرض نفسها بقوة في الواقع. أما على مستوى الأهمية العملية فقد أصبح تأثير التقنية الرقمية واضحا جليا، حيث أضحت من سباب كسب المعيشة للكثير من مستخدميها ويأتي هذا الاكتساب المعيشي من ناحية المحتوى الذي قد يكون محميا بموجب الملكية الفكرية وقد لا يكون، وكذلك من ناحية ما يصاحب المحتوى من إعلانات ترويجية واشتراكات، وبسبب هذا التطور الهائل على مستوى المنصات والتطبيقات الرقمية ظهرت فكرة الميراث الرقمي، فهنا سيحتاج الناس إلى بيان مآل هذه التركة الرقمية التي تعد من القضايا المهمة ذات الراهنية التي تطرح في وسط أهل الاختصاص، والتي يحتاج إليها عامة الناس في المستقبل القريب لمعرفة أحكامها الشرعية والقانونية، إضافة إلى بسط مختلف الأحكام القضائية التي بتت في الموضوع.
دوافع اختيار الموضوع:
مع تزايد عدد مستخدمي شبكة الإنترنت بتطبيقاتها المختلفة بشكل هائل، والتزايد المتسارع لمختلف التقنيات الرقمية، والتطبيقات والخدمات المتاحة حاليًا كالبريد الإلكتروني، والمدونات ومواقع التواصل الاجتماعي، والمواقع التي توفر خدمات شراء المنتجات وتخزينها واستعمالها، فضلا عن العديد من الخدمات المتاح الحصول عليها عبر شبكة الإنترنت، والتطبيقات المنتظر الوصول إليها في المدى القريب والمتوسط والبعيد؛ فإن الأبعاد القانونية للميراث الرقمي لمستخدمي هذه التطبيقات والحسابات سيكون موضع جدل قانوني وفقهي وقضائي.
فكان ولابد من تنبيه المشرع ومزودي التطبيقات الرقمية المختلفة ومستخدميها إلى أهمية تنظيم مآل كل ما يخلفه المستخدم من حسابات وأصول رقمية على أسس تضمن حق الإنسان في الحياة الخاصة والمفاهيم الحديثة في حقوق الإنسان، وحقه في الملكية وغيرها من الحقوق التي استقرت أو تجري بشأنها مناقشات في أروقة القضاء والفقه القانوني في لعالم كحق الإنسان في أن يكون منسيا.
إضافة إلى أن هذا الموضوع يتسم بالجدة والراهنية، ولا توجد فيه كتابات على لمستوى الوطني إلا نادرا، رغم التسارع الرقمي المستمر على جميع الأصعدة، وأردت أن أجعل من هذا العمل إضافة علمية لخزانة الكلية ومرجعا لكل باحث، بل وأن تكون هذه لدراسة محاولة للفت الانتباه لأهمية الميراث الرقمي والبحث عن حلول قانونية استباقية لما يمكن أن يثار حول الإرث الرقمي من منازعات مستقبلا
إشكالية الموضوع:
وبناء عليه تبرز إشكالية الموضوع قيد الدراسة حول: “ما المآل القانوني للأصول
لرقمية بعد وفاة أصحابها، ومدى حماية الحق في الخصوصية للمتوفى؟”.
هذه الإشكالية المركزية تتفرع عنها مجموعة من الأسئلة تتمثل في:
- ما هو مفهوم التركة الرقمية أو الميراث الرقمي؟
- ما هي المفاهيم المرتبطة بالتركة الرقمية؟ < ما طبيعة التركة الرقمية؟
- ما علاقة التركة الرقمية بالحق في الخصوصية والحق في النسيان؟
2 ما هي الحلول البديلة لانتقال الإرث الرقمي؟ - ما هو موقع التركة الرقمية في القانون الدولي الخاص؟ المنهج المعتمد في البحث:
وللإحاطة بالإشكالية المركزية والأسئلة المتفرعة عنها كان ولابد اعتماد المنهج الوصفي بالدرجة الاولى نظرا لطبيعة الموضوع، إضافة إلى المنهج التحليلي والمنهج المقارن، من خلال جمع المعلومات التي لها صلة بالموضوع، وعرضها من أجل الحصول على نتائج وتفسيرها بطريقة موضوعية، ومقارنة القانون المغربي بالقوانين الدولية للوصول إلى مدى التوافق والاختلاف بين هذه الأنظمة.
اكتشاف المزيد من أنفاس قانونية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
